وهبة الزحيلي

225

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى أي خلقنا أصناف النبات ، بعضه للإنسان ، وبعضه لطعام الحيوان ، فكلوا وتفكهوا مما يناسبكم ، وارعوا أنعامكم ( الإبل والبقر والغنم ) في الأخضر واليابس ، إن فيما ذكرت لكم لدلالات وحججا وبراهين لذوي العقول السليمة المستقيمة ، على أن الخالق لا إله إلا هو ، ولا رب سواه . وبعد أن ذكر الله تعالى منافع الأرض والسماء ، بين أنها غير مطلوبة لذاتها ، بل هي وسائل إلى منافع الآخرة ، فقال : مِنْها خَلَقْناكُمْ ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ ، وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى أي من الأرض مبدؤكم ، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب ، والنطفة المتولدة من الغذاء مرجعها إلى الأرض ، لأن الغذاء الحيواني من النبات ، والنبات من امتزاج الماء والتراب . وإلى الأرض مصيركم بعد موتكم ، فتدفنون فيها ، وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض ترابا . وسوف نخرجكم من قبوركم في الأرض مرة أخرى بالبعث والنشور ، والمعنى : من الأرض أخرجناكم ، ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى . والغرض من الآية هنا تنزيه الرب نفسه وتذكير فرعون بأصله وأنه من تراب عائد إليه ، فلا يغتر بدنياه وملكه ، وليعلم أن أمامه يوما شديد الأهوال ، يسأل فيه عن كل شيء ، ويحاسب على أعماله . ونظير هذه الآية قوله تعالى : فِيها تَحْيَوْنَ ، وَفِيها تَمُوتُونَ ، وَمِنْها تُخْرَجُونَ [ الأعراف 7 / 25 ] ، وقوله سبحانه : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ، فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ، وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء 17 / 52 ] .